مجموعة مؤلفين
440
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
--> - فقال : نعم ، فقلت : وكيف السبيل إلى طريق الذوق والوجدان . فقال : ( بملازمة الطاعات ونوافل الخيرات والاشتغال باللّه والإقبال عليه ، كما نصّت عليه الأشياخ . فبهذا يحصل الذوق لطالبه أو ما هذا معناه ، وسألته عن أهل مقام الجمع . فقال : أولئك قوم سكارى ، فالسكران لا يعول على قوله فإنه يقول : أرى كذا وكذا والصاحي ينكر قوله ؛ لعلمه أن ما يدّعيه غير صحيح في نفس الأمر ، وإنما تخيّل لفرط سكره ، إن الأمر كما أخبر وليس كذلك ؛ بل الأمر كما هو عند الصاحي فإن السكر حال مدهش يذهب بعقل صاحبه فلا يعتد بكلامه ) بما معناه . فقول السكران : ما في الوجود إلا اللّه حق من وجه ؛ لأن الوجود الحادث قائم به تعالى ، فالوجود على الحقيقة له ؛ إذ قيام الكل به ، لكنه لما أنكر وجود الخلقيّة بالكليّة . قلنا : بسكره ، ورددنا قوله : فإنها ثابتة حسّا وشرعا وعقلا ، وقد يقول الصاحي مثل قول السكران ، لكنه يعني من وجه دون وجه ، فمن حيث أن الكل هالك بالنظر لنفسه فإن الشيء لا يعطى لنفسه وجودا ، فإنه معدوم بالنظر لها أيضا ، وأمّا بالنظر ؛ لمفيض الوجود عليه فهو ثابت به باق بإبقائه . فقول سيدي محي الدّين قدّس اللّه سرّه : ( فلولاك ما كنّا ) : أي من حيث أن وجودنا بك ، ولو لأي لم تكن : أي آثار أسمائك الحسنى ، فإن الأسماء تطلب الآثار ، فإن المانع يطلب من يمنعه ، والمعطى كذلك ولا ظهور للآثار إلا بظهور المؤثرات . ولهذا لم يكن ظهور الكون إلا عن الأسماء وطلبها ، كما ذكره الشيخ في « إنشاء الدوائر » ، وفي « عنقاء مغرب » . وأمّا بالنظر إلى الذات العليّة المتعزز درك كنهها بالكليّة ؛ فهي مطلقة غنيّة حتى عن الإطلاق والكل في قيد وفي وثاق ، فلا تعلّق لها بشيء إلا من حيث الإمداد ، ولا يتعلق بها شيء إلا من حيث الاستمداد ، والأسماء الحسنى هي الوسائط التي لولاها كنّا من البسائط . ثم قال : « فكنت : أي كنزا مخفيّا » ولم تزل على ما كنت عليه إلى الأبد في الأزل وكنّا بك أعيان ثابتة في العلم ثم أبرزت صورة ما في علمك لا الذي في علمك ، فإنه قديم لا تحلّه الحوادث ، وهذا معنى قول الشيخ الأعيان الثابتة : أي في العلم ما شمت رائحة الوجود : أي في العين . -